حين تصبح الحدود وجهة نظر: العفّة متى أصبحت «عقدة»؟
الجزء الأول من السلسلة
تكشف حدود العلاقات مقدار احترامنا للعهود وحقوق الآخرين، خصوصًا حين تتعارض رغباتنا مع أمان بيت وثق بنا أصحابه.
قد يفتح لك إنسان باب بيته، ويجلسك إلى مائدته، ويطمئن إلى وجودك؛ لأنك صديقه ،ربما يذكرك أمام أهله بخير، ويدافع عنك في غيابك، ويحسب أن بينكما من الودّ ما يصون حرمته حين يغيب ، ثم تتجاوز أنت حدود هذا البيت، فإذا وُوجهت بما فعلت، قلت: «هي راضية».
كأن رضاها ألغى حقّه، وأسقط عهدها، وأعفاك من مسؤوليتك. وكأن الثقة التي منحك إياها تفصيل صغير، يمكن تجاوزه حين تتعارض حرمته مع رغبتك. ثم تسأل من يعترض: «لماذا تعقّد الأمور؟».
عند هذه العبارة يستحق الأمر أن نتوقّف. كيف أصبح احترام الحدود تعقيدًا؟ ومتى صار صاحب المبدأ مطالبًا بتبرير موقفه، بينما يكتفي من يتجاوزه بكلمة: «عادي»؟
حدود العلاقات… ومَن غاب عن موافقتكما؟
«هي راضية وأنا راضٍ» عبارة لا ترى إلا طرفيها، وتترك خارجها كل من يتأذّى بما يحدث ، هناك زوج لا يعرف، وعهد لم يُنهَ، وربما زوجة أخرى تطمئن إلى شريكها، وأطفال يبنون إحساسهم بالأمان على حياة لا يدركون ما يجري خلفها. فمن منح طرفين حقّ تقرير ما يجوز فعله بحقوق الجميع؟
الرجل مسؤول عن اختياره، والمرأة مسؤولة عن اختيارها. لا تُعفيه مبادرتها، ولا تُعفيها استمالته. لكل منهما لحظة كان يستطيع فيها أن يتوقّف، وأن يرفض الدخول في علاقة تنتهك عهدًا قائمًا.
وحين يكون الرجل صديق الزوج، يُضاف إلى الموقف جرح آخر: لقد دخل من باب الثقة، ثم أساء إلى من ائتمنه ،أن يأمنك إنسان، ثم تحتاج أسرته إلى الحماية منك، مأساة لا تختصرها عبارة:
«هي راضية»، «أمي هكذا… وأبي هكذا» وحين تضيق مساحة الأعذار، قد يلجأ الإنسان إلى ما اعتاده في أسرته: «أبي هكذا، وأمي هكذا، وهذا ما تربّينا عليه» ،لكن هل يكفي أن يسبقنا إلى السلوك أحد نحبه حتى يصبح صحيحًا؟
يستوقفني هنا حوار إبراهيم عليه السلام مع أبيه وقومه، حين سألهم عن التماثيل التي يعكفون عليها، فكان جوابهم: ﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٣]. احتجّوا بما وجدوا عليه آباءهم، بدل أن يراجعوا ما يفعلونه.
ومع اختلاف السياق، يفتح هذا الحوار أمامنا سؤالًا عن التقليد: هل نفحص ما ورثناه من أفكار وسلوكيات، أم نكتفي بأنه كان موجودًا قبلنا؟
قد تشرح التربية كيف تعلّمنا سلوكًا، لكنها لا تجعله صحيحًا تلقائيًّا. نستطيع أن نحب أهلنا، ونحفظ فضلهم، ثم نرفض تكرار ما أضرّ بهم وبغيرهم. ويستطيع الإنسان أن يقول: «هذا ما اعتدته، لكنني أدركت خطأه، وأريد تغييره» بتلك الجملة قد تتوقّف سلسلة طويلة من الأذى.
الفرصة لا تُسقط المسؤولية
ومن الأعذار المتداولة تلك العبارة: «أمسكوا غنمتكم، تيسنا ما يجيكم» تُقال أحيانًا بخفّة، لكنها تُعفي الرجل من ضبط نفسه، وتلقي مسؤولية سلوكه على غيره، وكأنه لا يملك عقلًا ولا اختيارًا.
وفي قصة يوسف عليه السلام موقف يضع المسؤولية في موضعها؛ فقد واجه المراودة والتهديد، واستعان بالله على الثبات، وقال: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣]. اختار تحمّل مشقّة السجن على الاستجابة للفاحشة، طالبًا عون الله وحمايته.
وجود الفرصة لم يجعل الفعل مباحًا، واستعداد الطرف الآخر لم يُنهِ مسؤوليته عن موقفه. وهذا ما نحتاج إلى تذكّره حين تتحوّل عبارة «لم يمانع أحد» إلى جواب جاهز عن كل تجاوز.
حين يحتاج الألم إلى مواجهة
قد تقول امرأة: «زوجي لا يهتم بي»، وقد يقول رجل: «زوجتي لا تفهمني». وربما تقف خلف الكلمات وحدة حقيقية، واحتياجات أُهملت طويلًا.
هذه المعاناة تستحق الإصغاء والمعالجة. لكن معالجتها بعلاقة خفية تُدخل إلى المشكلة أشخاصًا آخرين، وتترك الشريك يعيش واقعًا لا يعرف حقيقته.
أمام العلاقة المتعبة أبواب للمصارحة والإصلاح والاستعانة بأهل الحكمة والاختصاص، وقد ينتهي الأمر إلى انفصال مشروع إذا تعذّر الاستمرار. أما إبقاء العهد قائمًا في الظاهر، ونقضه في الخفاء، فيحرم الآخر حق المعرفة والاختيار.
لقد جاء في كتاب الله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]. وفي النهي عن الاقتراب تنبيه إلى الطريق ومقدّماته، قبل الوصول إلى نهايته.
وليست كل معاملة بين رجل وامرأة موضع اتهام؛ لكن الحديث الذي يتجاوز غرضه، والقرب الذي تُخفى حقيقته، يحتاجان إلى وقفة صادقة: لماذا أخفي هذا؟ وهل أقبل أن يفعل شريكي مثله؟
العفّة تستحق الاحترام، وصيانة البيوت مسؤولية يحملها الإنسان معه حتى حين لا يراقبه أحد قبل أن تقول: «الأمر عادي»، اسأل نفسك: على حساب أمان مَن سيصبح عاديًّا؟
تابع القراءة: الأعذار التي نورّثها لأبنائنا — الجزء الثاني

ردّين على “حين تصبح الحدود وجهة نظر: العفّة… متى أصبحت «عقدة»؟ 1”