«بس نتسلّى»… ماذا وراء الكلمة؟3

بس نتسلّى»… ماذا وراء الكلمة؟

حين تصبح الحدود وجهة نظرالجزء الثالث:
بس نتسلّى»… ماذا وراء الكلمة؟

رسم رمزي لأثر استسهال العلاقات على أمان الأسرة، يُظهر يدًا تشد خيطًا متصلًا بإطار بيت

كشف هذه القصة كيف يبدأ استسهال العلاقات بكلمات عابرة، ثم يترك أثره في الثقة وأمان الأسرة ،  في الجزء الأول، توقّفنا عند عبارة: «هي راضية وأنا راضٍ»، وسألنا عن حقوق الغائبين عن هذه الموافقة. وفي الجزء الثاني، تأمّلنا الأعذار التي قد نورّثها لأبنائنا، حتى يكبر الخطأ في أعينهم وهو يرتدي ثوب العادة.

لكن ماذا يحدث حين تتحوّل تلك الأعذار إلى سلوك، ويجد الإنسان من يعلّمه كيف يتجاوز، وكيف يستدرج، وكيف يطمئن إلى أن أحدًا لن يعرف؟

في إحدى الحالات التي باشرتها، سمعت تفاصيل جعلتني أضع يدي على رأسي من هول ما يُقال، ومن الهدوء الذي يُقال به ،أرويها دون أسماء أو تفاصيل تكشف أصحابها؛ للتأمّل في السلوك وما يتركه من أثر.

نصيحة تفتح باب الأذى

حكى الرجل أن شخصًا له سوابق قدّم له نصيحة:

«خليك في المتزوجات… هما الأمان لك» توقّفت عند كلمة «الأمان». أمان مَن؟

يبدو، من سياق حديثه، أنه كان يقصد الاطمئنان إلى سرّية العلاقة وقلة تبعاتها عليه. أما البيت الذي قد يتصدّع، والزوج الذي لا يعرف، والأطفال الذين قد تتغيّر حياتهم، فلم يكونوا جزءًا من حسابه ،ثم أضاف أنه يتأكّد من استخدامها وسيلة لمنع الحمل.

كان منشغلًا باحتمال قد يكشف العلاقة أو يرتّب عليه مسؤولية، بينما يتحدّث عن أصل التجاوز وكأنه أمر حُسمت مشروعيته ،هكذا يصبح السؤال: «كيف أفعل ولا أُكشف؟»، ويغيب السؤال الذي كان ينبغي أن يسبق كل شيء: «بأي حق أفعل؟».

حين تُستعمل الحاجة إلى الحب وفي الطرف الآخر، كانت المرأة تقول له: «لم يمسّني زوجي عشرين يومًا لأجلك… أنا أقرف منه».

وتقول أيضًا:

«أنت من حقي، وحبيبي، ولن أتركك» ،قد تكون خلف هذه الكلمات احتياجات عاطفية، أو مشكلات زوجية، أو شعور بالنقص. لكن الألم، مهما كان حقيقيًّا، يحتاج إلى مواجهة تعالج أسبابه وتحفظ حقوق الآخرين.

أما الرجل، فكان يشرح كيف أقنعها بأنها مميّزة، وكيف منحها ما افتقدته من اهتمام حتى وصل إليها. ثم اختصر مسؤوليته بقوله: «أنا لم أجبرها… أنا أقنعتها» ، وفي كلامها ما يقابل هذا التبرير: إنها راضية ما دام يشعرها بالكمال.

الحاجة إلى التقدير إنسانية، ولهذا تحديدًا تكون المسؤولية أكبر حين يعرف أحدنا موضع الضعف لدى الآخر. يستطيع أن يصونه، ويستطيع أن يستعمله للوصول إلى ما يريد ، ومع ذلك، تظلّ لكل طرف مسؤوليته: استمالته لا تُعفيها من اختيارها، وموافقتها لا تُعفيه من استغلال حاجتها.

لماذا «تصعّبين الأمور»؟

العجيب أنه لم يكتفِ بتبرير ما حدث، بل استغرب اعتراضي: «لماذا تصعّبين الأمور؟ هي راضية وأنا راضٍ» ، ورأى العلاقة أسهل من الالتزام ببيت وزواج؛ يقضي رغبته، ثم يمضي.

كان يريد مزايا القرب، من دون تبعات العهد، ويحسب أن رضا الطرف الآخر يكفي لإغلاق النقاش ،لكن الزوج الغائب لم يوافق على أن يعيش في واقع تُخفى عنه حقيقته. والزوجة الأخرى لم توافق على أن تصبح حياتها عرضة لهذا الأذى. والأطفال لم يختاروا أن يقوم أمانهم على سرّ قد ينكشف في أي لحظة، سهولة الفعل على صاحبه لا تعني خفّة أثره على الآخرين.

حين يُستدعى اسم الله لتغطية الكذب

ومن التفاصيل المؤلمة في الرواية تكرار الحلف بالله كذبًا ، هنا يتجاوز الأمر إخفاء الفعل إلى استعمال القَسَم لتثبيت رواية غير صادقة، وإسكات شكّ، وكسب ثقة لا يستحقّها الكلام.

وقد يتعلّق الإنسان برحمة الله، وهذا باب رجاء عظيم. لكن الرجاء يقتضي صدقًا في الرجوع، واعترافًا بالخطأ، وسعيًا إلى التوقّف عنه ،كيف نطلب الطمأنينة من اسم الله، ثم نجعله وسيلة لطمأنة من نخدعه؟

من أين جاء هذا الحق؟

ثم اتّخذت القصة منحًى آخر: بدأت المرأة تتوعّد زوجته بخراب حياتها، وتتحدّث عن إبعاد كل من تراه عائقًا بينها وبينه ، ،استوقفني انتقالها من علاقة تنتهك عهدًا قائمًا إلى المطالبة بحقّ في الرجل، ثم تهديد زوجته التي تربطها به علاقة زواج.

قد تفسّر الغيرة بعض الاندفاع، لكنها لا تمنح أحدًا حقّ التهديد أو الإيذاء. ومهما اشتدّ التعلّق، يبقى الآخر إنسانًا له كرامته وأمانه وحقوقه ، حين نقبل أن تمنحنا الرغبة حقًّا في حياة غيرنا، يصعب أن نجد حدًّا نتوقّف عنده.

سؤال كشف اختلاف الحكايتين

سألت عن الزواج: هل ينويان أن يتزوّجا؟ كانت تتحدّث بثقة عن مستقبل يجمعهما، بينما جاء ردّه بمعنى: «أنا مجنون أتزوّج واحدة تخون زوجها؟» ،ثم تجاوز ذلك إلى التشكيك في نسب أبنائها، من دون بيّنة، قبل أن يختم: «أنا مكتفٍ بزوجتي… بس نتسلّى».

كان يرى في سلوك شارك فيه سببًا لرفضها، ويستعمله للطعن فيها، ثم يترك لنفسه مساحة العابر الذي كان يتسلّى ، أما الأطفال، فكانوا غائبين عن الفعل كلّه، ومع ذلك زجّ بهم في كلام يمسّ كرامتهم ونسبهم. لا يجوز أن يتحوّل الأبناء إلى مادة للشكوك والاتهامات بسبب أخطاء الكبار.

لا يُعفيها موقفه من مسؤوليتها، لكنه يكشف التناقض في منطقه: يقبل المشاركة في الفعل، ثم يجعل تبعاته وصمة تخصّها وحدها.

استسهال العلاقات… ما الذي تختصره كلمة نتسلّى:

بالنسبة إليه، كانت تسلية. وبالنسبة إليها، كان وعدًا تتعلّق به. وبالنسبة إلى الشريكين الغائبين، قد تصبح الحقيقة جرحًا يغيّر معنى سنوات من الثقة.

كلمة قصيرة، لكن ما وراءها ليس قصيرًا: كذب يحتاج إلى كذب، وقلق، وحقوق تُنتهك، وربما بيوت تدخل في صراع لم تختره ، لا تصبح كل هذه الآثار عابرة لأن أحد أطرافها قرّر أن يسمّي ما يفعله «تسلية» ، حين تكون تسليتك قائمة على جهل إنسان آخر بما يمسّ حياته، فأنت تنتزع منه حقّ المعرفة والاختيار.

ما الذي نريد أن نعلّمه لأبنائنا؟

لن يرث أبناؤنا تفاصيل كل قصة نخفيها، لكنهم قد يتعلّمون منّا الطريقة التي نفكّر بها: كيف نتعامل مع الأمانة، وكيف نتحدّث عن الغائب، وكيف نعتذر، وما الذي نفعله حين تتعارض رغبتنا مع حقّ غيرنا.

وحين نقول أمامهم إن كل شيء مباح ما دام صاحبه راضيًا، أو إن المشكلة في انكشاف الخطأ، نعلّمهم كيف يصنعون الأعذار قبل أن يتعلّموا تحمّل المسؤولية ، ونستطيع، في المقابل، أن نعلّمهم أن الرغبة تحتاج إلى ضبط، وأن الثقة تُصان، وأن الاعتراف بالخطأ بداية لإصلاحه.

حتى من تورّط في علاقة مؤذية يستطيع أن يبدأ بالتوقّف عنها، وقطع التهديد والتشهير، وطلب مساعدة حكيمة لمعالجة أسبابها وتبعاتها. الرجوع يحتاج إلى أفعال تصدّق الندم.

في نهاية هذه السلسلة، يعود السؤال الذي بدأنا منه: حين تصبح العفّة «عقدة»، والأمانة «سذاجة»، واحترام البيوت «تعقيدًا»… أيّ حياة نهيّئها لأنفسنا ولأبنائنا؟

وقبل أن تقول: «بس نتسلّى»، اسأل نفسك: لو عرفتَ الحكاية من مكان من تأذّى بها، فهل ستسمّيها بالاسم نفسه؟


اقرأ أيضًا من سلسلة «حين تصبح الحدود وجهة نظر»:

ردّ واحد على “«بس نتسلّى»… ماذا وراء الكلمة؟3”

بين سطوري وصوتك حكاية لم تُكتب بعد… اترك كلمةً، فلعلّها تزهر في قلب قارئ.

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *