الأعذار التي نورّثها لأبنائنا 2

الأعذار التي نورّثها لأبنائنا

الجزء الثاني من سلسلة «حين تصبح الحدود وجهة نظر»
قراءة الجزء الأول: العفّة… متى أصبحت «عقدة»؟

قد يبدأ تبرير الخطأ بعذر عابر، لكنه مع التكرار يصبح درسًا يتعلّمه الأبناء من سلوكنا قد ينسى الطفل نصيحة طويلة قلتها له، لكنه يتذكّر كيف تصرّفت حين أخطأت ، يتذكّر هل اعتذرت، أم بحثت عن عذر؟ هل سمعت الطرف الآخر، أم رفعت صوتك حتى سكت الجميع؟ وهل كان الصدق في بيتك قيمة يعيشها، أم كلمة يسمعها حين يُطلب منه أن يقول الحقيقة؟

في الجزء الأول، تساءلنا عن حدود العلاقات حين تصبح موضع تفاوض كلما تعارضت مع رغباتنا. وهنا يمتدّ السؤال إلى من يتعلّمون منّا: ماذا يبقى في نفوس أبنائنا حين يروننا نبرّر لأنفسنا ما ننهاهم عنه؟

تبرير الخطأ… ماذا يسمع الطفل؟

حين يسمع الطفل: «اضطررت إلى الكذب حتى أتخلّص من المشكلة»، فقد يفهم أن الصدق مطلوب ما دام مريحًا. وحين يسمع: «أخذت حقّي بيدي»، دون أن يرى تثبّتًا أو عدلًا، فقد يظن أن الشعور بالظلم يمنح صاحبه حقّ تجاوز الآخرين.

وحين تُبرَّر العلاقات المتجاوزة بعبارة: «هو محتاج إلى اهتمام»، قد تختلط عليه الرحمة بصاحب الألم والموافقة على ما يفعله ،نستطيع أن نفهم ظروف الإنسان، ونساعده على معالجة احتياجه، ونُبقيه مسؤولًا عن اختياره. وهذا التوازن يحتاج الأبناء إلى أن يروه في مواقفنا.

فالعذر الذي يريحنا اليوم قد يصبح غدًا قاعدة يستند إليها أبناؤنا.

دموع لا تكفي للحكم

في قصة يوسف عليه السلام مشهد يستحق أن نتوقّف عنده: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾ [يوسف: ١٦].عاد إخوة يوسف باكين، ورووا أن الذئب أكل أخاهم، وجاؤوا على قميصه بدم كذب. كان البكاء حاضرًا، لكن الرواية التي قدّموها لم تكن صادقة، وقال لهم أبوهم: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ [يوسف: ١٨].

يذكّرنا المشهد بأن التأثّر بمن أمامنا لا يغني عن التثبّت. قد تهزّنا دموع إنسان، فنواسيه ونستمع إليه، لكن الحكم على الآخرين يحتاج إلى معرفة ما حدث وسماع أطرافه.

ولا تعني هذه العبرة أن نشكّ في كل باكٍ؛ فقد تكون الدموع تعبيرًا صادقًا عن وجع شديد. لكنها لا تثبت وحدها صحة كل اتهام، كما أن ارتباك شخص أو عجزه عن البكاء لا ينفي ألمه.

لا نعرف صاحب الحق بعدد دموعه، ولا بقوة صوته؛ نحتاج إلى الإصغاء والوقائع والإنصاف.

حين يتحوّل التعاطف إلى مساندة للأذى

قد يدخل شخص إلى خلاف يريد تهدئته، ثم ينتهي إلى الضغط على المتضرّر كي يتنازل ،ربما يعرف الطرف الآخر أكثر، أو يخشى غضبه، أو يتأثّر بروايته. وربما يرى أن مطالبة الهادئ بالصبر أسهل من مواجهة من يرفض المراجعة.

لكن الهدوء الذي يُفرض على حساب حقّ مجروح لا يضمن انتهاء المشكلة. قد يُنهي النقاش أمام الناس، ويترك الأذى قائمًا خلف الأبواب ،ويراقب الأبناء ذلك؛ يرون من يجد الحماية حين يخطئ، ومن يُطالَب بالاحتمال حين يتألّم. وقد يتعلّمون أن العناد يحمي صاحبه، وأن الاعتراف يكلّفه أكثر من الإنكار ،لهذا تحتاج المساندة إلى شجاعة العدل: أن نسمع قبل أن نحكم، وأن نسأل قبل أن نتّهم، وأن نساعد المخطئ على التوقّف عن خطئه.

حين يُستخدم اسم الله لتغطية الكذب

ومن أشدّ صور الخداع أن يحلف الإنسان بالله على أمر يعلم أنه كاذب فيه، مستفيدًا من تعظيم السامع لاسم الله ،قد يتراجع الآخر عن سؤاله احترامًا للقسم، ويمنح ثقته من جديد، بينما يعرف الحالف أنه يستخدم هذه الثقة للخروج من المساءلة.

وماذا يتعلّم طفل يشاهد ذلك؟ كيف يفهم حرمة اليمين إذا رآها تُستخدم كلما ضاقت مساحة الأعذار؟ الأبناء يحتاجون إلى أن يسمعوا: «أخطأت»، وأن يروا بعدها تغييرًا. فالثقة تتكوّن من مواقف يمكن الاطمئنان إليها، وتتآكل حين تتكرّر الوعود دون أثر.

لماذا يصبح المعترض هو المشكلة؟

حين يعترض شخص على تجاوز، قد يسمع: «أنت معقّد»، أو «حساس»، أو «مريض نفسي» وبذلك ينشغل بالدفاع عن نفسه، ويبتعد النقاش عن السؤال الذي بدأ به: ماذا حدث؟ ومن تضرّر؟ وكيف نوقف الأذى؟  الصحة النفسية ليست تهمة نستخدمها لإسكات بعضنا، ولا يجوز اختزال الإنسان في وصف جارح لأن موقفه لا يوافق رغباتنا.

ومن التربية العادلة أن نعلّم أبناءنا النظر إلى السلوك نفسه. قد لا تعجبنا طريقة شخص في التعبير، وتبقى شكواه مستحقّة للفهم. وقد نحب شخصًا ونثق به، ثم نكتشف أنه أخطأ ويحتاج إلى مراجعة.

الرحمة تدعونا إلى الرجوع

نحتاج جميعًا إلى رحمة الله، ونرجو مغفرته لما نعرف من تقصيرنا. لكن رجاء الرحمة يستدعي مراجعة النفس، خاصة حين يتعلّق الخطأ بحقوق الآخرين.

التوبة تبدأ بوقف الأذى، والندم، والسعي إلى الإصلاح وردّ الحقوق بحسب الاستطاعة. ويحتاج الأبناء إلى رؤية هذا المعنى في حياتنا: أن الرجوع ممكن، وأن الاعتذار لا يُنقص قيمة الإنسان، وأن صدق التغيير يظهر في سلوكه بعد الاعتذار ، أما مطالبة المتضرّر بالصفح مع استمرار الفعل نفسه، فتضع عليه عبئًا جديدًا، وتترك سبب وجعه دون معالجة.

نستطيع أن نوقف انتقال الأذى

قد يحمل الإنسان من نشأته سلوكيات لم يختر تعلّمها، لكنه يستطيع أن يبدأ بمراجعتها. يسأل نفسه: لماذا أبرّر لنفسي ما أرفضه من غيري؟ لماذا أشعر أن الاعتذار هزيمة؟ ولماذا أطلب من الآخرين فهم ظروفي قبل أن أعترف بحقوقهم؟

ويستطيع الطرف الواعي أن يجاهد لاقتلاع جذور السلوكيات المؤذية، ويغرس في الأبناء الصدق والأمانة واحترام الحدود، دون تحويلهم إلى أطراف في صراعات الكبار ، فالأبناء ليسوا محكومين بتكرار أخطاء أهلهم. يحتاجون إلى من يحميهم من التفاصيل التي تثقلهم، ويعلّمهم أن محبة والديهم لا تلزمهم بتبرير كل أفعالهما، وأنهم يستطيعون اختيار طريق أكثر عدلًا ،كل وعد نفي به، وحق نردّه، واعتذار نتبعه بإصلاح، يترك في نفوسهم معنى يمكنهم حمله إلى حياتهم.

وأعظم ما نورّثه لأبنائنا ضميرٌ يردّهم عن الخطأ، حتى حين يقدرون عليه، وحتى حين يجدون من يصفّق لهم.

تابع القراءة: الجزء الثالث — «بس نتسلّى»… ماذا وراء الكلمة؟

ردّين على “الأعذار التي نورّثها لأبنائنا 2”

بين سطوري وصوتك حكاية لم تُكتب بعد… اترك كلمةً، فلعلّها تزهر في قلب قارئ.

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *