هل تغيّر المجتمع أم تغيّرت معاييرنا؟

حين كان الإنسان أغلى من المال

هل كان أهلنا فقراء بالمال… أم أغنياء بالعلاقات؟

“قد يترك الإنسان وراءه أموالًا تُقسَّم، لكن القليل فقط يتركون قلوبًا تدعو لهم كلما ذُكر اسمهم.”

في زمنٍ أصبحت فيه الأرقام لغة المجتمع، لم يعد السؤال الأول عند التعرف إلى إنسان: كيف أخلاقه؟ أو كيف يعامل الناس؟، بل أصبح السؤال: كم راتبه؟ ماذا يملك؟ أين يسكن؟ ما نوع سيارته؟

تسللت لغة المال إلى تفاصيل حياتنا بهدوء، حتى أصبحت المقياس الذي تُقاس به المكانة، والنجاح، بل وأحيانًا قيمة الإنسان نفسه.

ولست أكتب هذه الكلمات لأن المال لا قيمة له؛ فالمال نعمة عظيمة، ووسيلة للعطاء، وبناء الأوطان، وإكرام الأهل، وإعانة المحتاج. لكن السؤال الذي يؤرقني هو:

متى أصبح المال يتقدم على الإنسان؟

ومتى أصبحت الأرقام تُعرّفنا أكثر من أخلاقنا؟

كلما تأملت هذا السؤال، أخذني الحنين إلى وجوهٍ رحلت عن الدنيا، لكنها ما زالت تعيش في قلبي، وكأنها تقول لي: لا تجعل المال يغيّر تعريف الغنى.


كان تاجرًا ناجحًا، يعرفه أهل السوق، ويشهد له الناس بالخبرة والأمانة كان يملك المال، لكنه لم يسمح يومًا للمال أن يملك قلبه.

لم أره يتحدث عن ثروته، ولم أسمعه يفاخر بما يملك.

بل كان يفاخر بابتسامته.

تلك الابتسامة التي كانت تستقبل الصغير قبل الكبير، والغريب قبل القريب، حتى تشعر أن الرجل يعرفك منذ سنوات، وإن كان يراك للمرة الأولى.

كان يرحم الصغير، ويوقر الكبير، ويغفر الزلات، ويبحث عن الأعذار للناس قبل أن يبحث عن أخطائهم.

إذا دخل عليه ضيف، لم يكن يشعر أنه زائر، بل فرد من العائلة.

وكان يرى أن الكرم لا يبدأ بالطعام، بل يبدأ بطريقة استقبال الإنسان، وبالكلمة الطيبة، وبالشعور الذي يتركه في قلب من يجلس معه.

وحين كانت الحياة تشتد، كنت أراه قويًا كالجبل.

لا يرفع صوته، ولا يزرع الخوف، بل يزرع الطمأنينة.

وكان إذا انتهت الشدة، عاد ذلك القلب اللين الذي يخجل أن يجرح إنسانًا بكلمة.

منه تعلمت أن القوة لا تعني القسوة، وأن الهيبة الحقيقية لا تُصنع بالمال، بل بالرحمة.


رحمها الله رحمةً واسعة وأسكنها فسيح جناته.

فكانت وطنًا تمشي على قدمين.

كل من قصد بيتها بعد الله وجد صدرًا يتسع لهمّه، وعقلًا يبحث عن الحل، وقلبًا لا يعرف ردَّ محتاج.

كان بيتها مفتوحًا للجميع.

للغني كما للفقير.

للقريب كما للغريب.

وللصديق كما للعابر.

كانت تقف ساعات طويلة في المطبخ، تعد الطعام بمحبة، وكأنها تؤمن أن الطعام الذي يخرج من قلبٍ محب، يصل إلى القلب قبل المعدة.

لم تكن ترى خدمة الناس تعبًا.

كانت تراها نعمة.

وكانت إذا علمت بوجود مظلوم، وقفت معه، مهما كلفها الأمر، لا تخشى في الحق لومة لائم.

وحين رحلت…

لم أشعر أن شيئًا من المال قد نقص.

لكنني شعرت أن الأمان قد غادر البيت.

شعرت أن هناك قوة خفية كانت تجمع الأسرة، وتحميها، وتمنحها الدفء، قد رحلت معها.

حينها فهمت أن بعض الناس لا يحملون مفاتيح البيوت…

بل يحملون أرواحها.


علّمني أن الهيبة لا تُشترى.

كان عم والدتي، رحمه الله وأسكنه الفردوس الأعلى.

كان الناس ينادونه: “الشيخ”.

وفي طفولتي، كنت أخشاه قليلًا.

كنت أظن أن هيبته جاءت من ماله، أو مكانته، أو جاهه.

لكن الأيام كشفت لي حقيقة مختلفة.

كانت هيبته نابعة من احترام الناس له.

من كرمه.

من حلمه.

من أدبه.

من رحمته.

كان يجلس مع الجميع بالتواضع نفسه.

وكان يرى أن المال وسيلة لقضاء حوائج الناس، لا وسيلة لرفع المسافات بينهم.

وحين توفي، حضرت مجلس العزاء، ورأيت شيئًا لن أنساه ما حييت.

لم يكن الناس يتحدثون عن تجارته.

ولا عن أملاكه.

ولا عن جاهه.

بل كانوا يقولون:

“رحم الله الرجل الكريم.”

“رحم الله القلب الطيب.”

“كان لا يرد محتاجًا.”

“كان يصلح بين الناس.”

عندها فقط فهمت أن الإنسان إذا رحل، لا يبقى منه حجم حسابه البنكي…

بل يبقى أثره في القلوب.

وأدركت أن الهيبة التي كنت أخافها وأنا طفلة، لم تكن هيبة المال، بل هيبة الأخلاق التي أحبها الناس فيه.


أحيانًا أسأل نفسي:

هل كان أجدادنا أقل غنى منا؟

ربما كانوا يملكون أقل.

لكنهم كانوا يشعرون بأنهم يملكون أكثر.

كانوا يملكون الجار الذي يطرق الباب بلا موعد.

والقريب الذي يحضر قبل أن تطلبه.

والصديق الذي يقاسمك همك قبل فرحك.

وكانوا يملكون وقتًا للحديث، وقلوبًا تتسع للاختلاف، وأيدي تمتد بالعون دون أن تنتظر مقابلًا.

أما نحن…

فقد ازدادت حساباتنا البنكية، وضاقت مجالسنا.

وكثرت هواتفنا، وقلت أحاديثنا.

وأصبح من السهل أن نرسل تحويلًا ماليًا…

لكن من الصعب أن نجد ساعة نجلس فيها مع والدينا دون أن ننظر إلى شاشة هاتف.

كلما تذكرت جدي، وجدتي، وعم والدتي، رحمهم الله جميعًا، يراودني سؤال لا يفارقني:

أم أن المجتمع كله كان يعيش بمنظومة قيم مختلفة؟

أميل إلى الاعتقاد أن المشكلة ليست في الأشخاص وحدهم…

بل في اللغة التي أصبح المجتمع يتحدث بها.

قديمًا…

كانت المجالس تبدأ بالسؤال:

كيف حال والدك؟

هل تحتاجون شيئًا؟

كيف صحتك؟

أما اليوم، فقد تغيرت الأسئلة.

أصبحنا نسأل:

“كم راتبك؟”

“كم سعر منزلك؟”

“كم عدد متابعيك؟”

“ما نوع سيارتك؟”

وكأن الإنسان أصبح مشروعًا استثماريًا، لا روحًا تستحق أن تُعرف.

لم يعد بعض الناس يرون الإنسان…

بل يرون ما يملكه.

وهي خسارة لا يشعر بها المجتمع إلا بعد سنوات.


علينا أن نكون منصفين.

فالمال نعمة من الله.

وبه تُقضى الحاجات.

وبه يُكرم الوالدان.

وبه تُربى الأبناء.

وبه يُعين المحتاج.

وليس العيب في المال.

بل العيب حين يتحول المال من وسيلة إلى هوية.

حين يصبح الراتب هو بطاقة التعريف.

ويصبح المنصب هو القيمة.

ويصبح الإنسان محترمًا لأنه يملك، لا لأنه يستحق الاحترام.

وهنا يبدأ المجتمع في خسارة أغلى ما لديه…

الإنسان.


لطالما ظن الناس أن السعادة ترتبط بزيادة المال.

لكن العلم الحديث كشف حقيقة مدهشة.

فقد تابعت دراسة هارفارد للنمو الإنساني آلاف المواقف الإنسانية على مدى أكثر من ثمانين عامًا، لتجيب عن سؤال واحد:

ما الذي يجعل الإنسان سعيدًا حقًا؟

لم تكن الإجابة:

المال.

ولا الشهرة.

ولا المناصب.

بل كانت الإجابة التي أدهشت الباحثين:

فالأشخاص الذين حافظوا على علاقات أسرية واجتماعية جيدة كانوا أكثر صحة، وأقل عرضة للاكتئاب، وأكثر رضا عن حياتهم مع التقدم في العمر.

وكأن العلم الحديث أعاد اكتشاف ما كان يعرفه أجدادنا بالفطرة.


لأننا بدأنا نستثمر في الأشياء أكثر مما نستثمر في البشر.

نغيّر أثاث منازلنا كل بضع سنوات…

لكننا لا نجد وقتًا لإصلاح علاقة انكسرت.

نقضي ساعات في مقارنة أسعار السيارات…

ولا نقضي دقائق نسأل فيها عن جار مريض.

نجتهد في تطوير أعمالنا…

لكننا نؤجل زيارة والدينا بحجة الانشغال.

لسنا أناسًا سيئين.

لكننا أصبحنا نعيش في زمن يستهلك الوقت، حتى نظن أن الحب يمكن تأجيله.

والحقيقة أن العلاقات لا تنتظر.

فالطفل يكبر.

والأب يشيخ.

والأم تتعب.

والصديق ينشغل.

ومن نؤجل لقاءه اليوم، قد لا نجده غدًا.


حين كان جدي يساعد محتاجًا، لم يكن يسأل:

“ماذا سأربح؟”

وحين كانت جدتي تفتح بابها للناس، لم تكن تحسب عدد الساعات التي ستقضيها في إعداد الطعام.

وحين كان عم والدتي يصلح بين الناس، لم يكن ينتظر شكرًا أو شهرة.

كانوا يستثمرون في شيء لا يُقاس بالأرقام…

كانوا يستثمرون في القلوب.

واليوم، وبعد رحيلهم، أدركت أن هذا الاستثمار هو الوحيد الذي ما زالت أرباحه تصلهم.

كل دعوة صادقة يقولها إنسان عرفهم…

هي ثمرة من ثمار ذلك الاستثمار.

وهل هناك ربح أعظم من دعوة تخرج من قلب إنسان أحبك؟


هذا السؤال أخافني كثيرًا.

إذا رحلتُ يومًا…

هل سيتحدث الناس عن شهاداتي؟

أم عن أخلاقي؟

هل سيقولون:

“كانت تملك…”

أم سيقولون:

“كانت تُشعرنا بالأمان.”

هل سيتذكر أبنائي عدد ساعات عملي؟

أم سيتذكرون عدد المرات التي جلست فيها أستمع إليهم؟

وهل سيذكرني أصدقائي بما حققته؟

أم بما كنت أمنحه لهم من وقت، وصدق، ووفاء؟

لقد جعلني رحيل أحبتي أفهم حقيقة لم أتعلمها في أي جامعة.

إن الإنسان لا يورث أبناءه المال فقط… بل يورثهم طريقته في الحياة.

فإن ورثهم الرحمة…

كبروا رحماء.

وإن ورثهم الكرم…

أصبح الكرم جزءًا من شخصيتهم.

وإن ورثهم أن قيمة الإنسان فيما يعطي لا فيما يملك…

فلن يخاف عليهم من تغير الزمان.


لسنا بحاجة إلى أن نعود خمسين عامًا إلى الوراء.

ولا أن نرفض التطور.

ولا أن نقلل من قيمة النجاح والعمل.

بل نحن بحاجة إلى أن نستعيد شيئًا واحدًا فقط…

الإنسان.

أن يعود السؤال الأول عندما نلتقي:

“كيف حالك؟”

لا:

“كم أصبح راتبك؟”

أن نربي أبناءنا على أن الطبيب، والمعلم، والعامل، والتاجر، والموظف، جميعهم يستحقون الاحترام ما داموا يحملون الأخلاق.

أن نعلمهم أن الغني الحقيقي ليس من كثرت أمواله…

بل من كثرت دعوات الناس له.


كلما اشتقت إلى جدي، لا أتذكر تجارته…

بل أتذكر ابتسامته.

وكلما اشتقت إلى جدتي، لا أتذكر ما كانت تملكه…

بل أتذكر ذلك الشعور العجيب بالأمان كلما دخلت بيتها.

وكلما تذكرت عم والدتي، لا أتذكر جاهه…

بل أتذكر أن هيبته لم تكن هيبة المال، وإنما هيبة القلب الذي أحبه الناس.

رحم الله جدي…

ورحم الله جدتي…

ورحم الله عم والدتي…

وجعل قبورهم روضةً من رياض الجنة، وجمعني بهم في الفردوس الأعلى.

لقد رحلوا…

لكنهم تركوا لي أعظم تعريف للغنى.

ومنذ ذلك اليوم، كلما رأيت مجتمعًا يقيس الإنسان بما يملك، تذكرتهم جميعًا، وقلت في نفسي:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *